القِصّة التي فازَت بالمركزِ الأول ^^ !
.
كانتْ الأيامُ تمرُّ ببطءٍ على ذلكَ البيتِ الصَّغير ، وفي كلِّ ساعةٍ يصلهم نبأٌ باستشهادِ رجلٍ أو طفْل ! وقلبُ تلكَ الأمّ مقبوض لا تعرفُ ما الذِي يجرِي لابنِها الذِي خرجَ صبَاحًا ولم يعُد حتى الظَّهيرة .. كانتِ الساعة قد شارفت على الثانيَةِ ظُهرًا ، ببابِ البيتِ يُفتح بقوّةٍ تُدهشُها وتوقظُ ابنتها النائمة على حِضنها ؛ ليدخُل إليها بولدها وهو جريح ! ينزفُ جبينه من جرحٍ عميقٍ به ، تركضُ إليهِ بوجلٍ وتسمعهُ: "أسنديني يا أمِّي" .. أسندته إلى الحائطِ واقتربتْ منه وبيدها منشفة وإناء به ماء ، لتمسح الدم النازف من جبين يوسف ولدها ، تسألهُ بصوتٍ خافت : "أنتَ بخير ؟".. يتنهدُ : "أنا بخير ، لا تقلقي" .. يُغمض عينيه ليغفو ، تقتربُ منه أخته الصُغرى وفي عينيهَا خوفٌ عليه .. وتبكِي ! يفتحُ عينيه ليرَاها ، يُقربها إليه أكثر ، ويمسحُ دمعها بيديه .. يُغمضُ عينيهِ مُجدّدًا ويغفو ..
بعدَ حين يفتحُ عينيهِ ببطءٍ وهُو يَرى أمّه جالسةٌ أمامَه تراقبُه بهدوء ، يُناديها بصوتٍ خافت : "أمـاه _ تركضُ إليه _ كم مضى من الوقتِ وأنا نائم ؟" ، تجيبه : "قرابة السَّاعة ، لماذا ؟" .. يسألُها بخوفٍ : "ألم يصلكِ أيُّ نبأٍ عن أصحابي ؟" .. تُجيبه وفي عينيهَا فضولٌ عمّا جرَى لهم : "لم يصلنا شيء ، ما الذي جرى ؟" ، يُغمضُ عينيه ساندًا رأسه إلى الجدار : "كُنا خارجين من الجامعة ، ونحنُ نمشي لم نرى إلّا المُسدسات مصوبةٌ إلينا ، والجُنود يطلقون رصاصاتهم علينا .. لستُ أدري لماذا ؟ لم أستطع فعلَ شيءٍ ، كلٌّ ذهب في طريقٍ مُختلف .. وها أنا عُدتُ إلى هُنا بصعوبةٍ ، لا أدري لماذَا يا أمِّي هذه القسوة في قلوبهم ؟ .. ما ذنبُ أطفالنا ونسائنا .. ما ذنبنا ؟" تجلسُ بجانبه ، تأخذُ رأسه في حضنها وهي تمسحُ عليه : "نحنُ نعيدُ زمن كربلاء يا يوسف" .. يُجيبها والغصَّةُ تخنقه : "ولكنَّ زمن كربلاء انتهى يا أمِّي " .. تُجيبه بنبرةٍ حادّة :" لم تنتهِ كربلاء ، ولم تنتهِ أسطورة الحُسين ، بل هيَ تعيدُ نفسها في كلٍّ حربٍ يشنُّه اليُهود ضدَّ كل مظلومٍ .. وفي كلِّ حصارٍ يفرضونه علينا ، - يخفُت صوتها - نحنُ يا ولدِي نملكُ صبرَ زينب في فقدها الحُسين ، و قلوبُ الأمهَاتِ الثَّكالى كقلبِ فاطِمة الزهراء وهي تعلمُ بأنَّ ابنها سيستشهد .. وتودُّعه قبلَ وفاتها .. كلُّ أمٍّ ثكلى يا ولدي تحملُ في داخِلها حُزن فاطمٍ على أولادها .."
لمْ تكدْ تنتهي من كلامها إلا ويُطرق عليهم الباب بقوّةٍ .. تقوم لتفتح الباب ليمنعها ولدها من ذلك ؛ يقوم هوَ بكلِّ طاقته ليفتحَ الباب .. ليفاجئه صديقه وهو يقول : " لقد قتلوا أحمد يا يوسف !" تقفُ أمّ يوسف مذهولة وتقتربُ منهم: "كيف !؟" ويضربُ يوسف الجدار بكلتا قبضتيه .. "دعنا نخرج إليهم !" تمسكُه أمُّه من كتفه: " لا يا يوسف .. لا تذهب" ، ينظرُ إليها بترجٍّ : "أرجوكِ دعيني" .. يجيبهُ صديقه : "ليس هناك داعٍ للخروج الآن ، ولكن يبدو بأنَّهم يخطُّطون لشيءٍ ما .. وأنا في طريقي إلى بيتكم كنتُ أراهم يتجمعون تارة ويتفرَّقون أخرى! وكأنَّهم سيهاجمونا ببنادقهم الليلة ! دعكَ هُنا يا يوسف ، وإن حدثَ شيءٌ ما سيصلكم النَّبأ حينها؛ سنخرجُ لندافع عن أرضنا وبيوتنا.! سأنصرفُ الآن .."
يُغلق يوسف الباب وهو يتنهَّد بقوَّة ، تحتضنهُ أمُّه وتبكِي ، لم يبكِ ، بل أغمضّ عينيه وهو يقول : "ذهبَ أحمد ! ذهب ! .." تقول أمُّه وهيَ باكيَة : "يا ربِّ الطُف علينَا ".. يصمتُ قليلًا .. ثمَّ يقولُ بصوتٍ خافت : "عِديني يا أمِّي .. بأنَّكِ لن تمنعيني حينَ أقرِّرُ الخروج للدِّفاع عن بيتنا وعنكم" .. تشهقُ أمُّه بقوة وهي تبكِي: "كيفَ أعدكَ وأنا أرَى أمامَ عينيَّ الآن مشهدَ الحُسين وهو يخرُج للقتال؟ أخبرني كيف أعدُك !" يُقبُّل رأسَها ويدخُل إلى الغُرفة الوحيدة في بيتهم.
تُشير الساعة إلى الثامنة مساءً ، تتعالى أصواتُ قذائف الرًّصاص حول بيتهم .. يخرجُ يوسف وأخته مذعورين من الغُرفة ، يقتربُ من النافذة ليرى بعضَ النيران تشتعلُ قربَ البيوت .. يلتفتُ إلى أمُّه التي اغرورقت عيناها بالدُّموع .." وعدتِني !" تمسحُ دموعها المُتساقطة على خدَّيها .. اخْرُج ليحفظك الله ، وتشيحُ بوجهها عنه .. يدخُل ليأخذَ عصبةَ الرَّأس التِي اعتاد على ارتدائها حينَ شُعوره بالخَطر.. أغلق باب الغُرفة وهو خارج ، أمسكتْه من يده .. قالت له : "صبرًا يا ولدي صبرًا .. تعال إليّ أقبُّلك"
يلتفتُ إليهَا وهو يقبُّل رأسَها ويبتسم بحُزنٍ .. "انزع قميصك يا يوسف" ، ينزعُ قميصه ويمسكُه بيده .. تقبُّل صدرَه ونحرَه تقول له : "أعلمُ بأنَّك لستُ الحُسين ولستُ أنا بفاطمَ وزينب ، ولكنَّي أمٌّ تشعُر بأنَّ هذا البابُ الذي ستخرجُ منه ، سيثكلها ! أريدُ أن تلتصقَ رائحتكَ فيّ .. أريدُ أن أهبكَ الطَّاقة التي وهبتهَا زينبُ للحُسين ، أريدُ أن أملكَ الصَّبر الذي ملكته فاطمة الزهراء "... وتبكِي بشدَّة ، يضغطُ على يديها بقوّة : "أنتِ عظيمةٌ يا أمِّي ، أتمنّى أن يُعيدني الله إليكَ" ...... ويرحل.
لا يهدَأُ قلبُها أبدًا ، في كلِّ مرةٍ تقتربُ من النافذة لا ترَى شيئًا ، تخافُ أن تفتحَ الباب فتهاجمها تلكَ الرَّصاصاتُ المُخيفَة .. تحتضنُ ابنتها تارَة و أخرى تراقبُ النافذة من بُعد وفِي قلبِها تُنادي : "يا الله بحقِّ فاطِمة الزهراء، احفظه لي" ، ينفدُ صبرُها لتخرجَ من الباب !
تتعَالى الأصواتُ المُرعبة من حولها ، ليرتعبَ قلبُها أكثر .. ولا ترى شيئًا غير رصاصةٍ قد اقتربت .. اقتربت أكثر لتستقرَّ في صدرِها ! .. تسقط ! تُحاولُ حملَ نفسها ، تفتحَ بابَ البيتِ بصعوبةٍ تُسند رأسها على الباب وهي تشهق .. تقتربُ منها ابنتها وهي لا تدري ماذا تفعل ، تسقطُ أمَّها أمامها .. تبدأُ بالبُكاء ، تمسكُ بيديها وهي تصرخُ بأماه ، لا تُجيبُ عليها .. ونبضُها يخفتُ رويدًا رويدا ..
يُفتح بابُ البيتِ بقوّة .. وصوت يوسفَ ينادي بـ [ أماه ] !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق